وكالة أنباء الحوزة - يقدّم النصّ الآتي، من خلال قراءةٍ في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) العمليّة، جوابًا عن شبهةٍ تدور حول: هل يصلح ترك الثأر في عصر الأئمّة (عليهم السلام) مبرّرًا لتركه لاغتيال قائد الثورة في عصرنا الحاضر الذي يتّسم بامتلاك الدولة لقدراتٍ لم تكن متوفّرةً سابقاً؟
مقارنةٌ خاطئةٌ بين عصر القمع وعصر الاقتدار
في الردّ على من يحاولون، بالاستناد إلى سيرة الأئمّة (عليهم السلام)، تبرير ترك الثأر للقائد الشهيد الإمام الخامنئيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، لا بدّ أوّلًا من التأكيد على حقيقةٍ أساسيّةٍ، وهي أنّ هذا الاستدلال يقوم على قياسٍ مع الفارق، إذ يقارن بين ظرفين مختلفين تمامًا.
فالفترة الممتدّة على مدى 199 عامًا بعد عاشوراء كانت مرحلةً عاش فيها الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) تحت وطأة القمع المطلق، حيث كان الإمام المعصوم في ظلّ حكم بني العبّاس محاطًا بالجواسيس حتّى عند إقامة صلاة الجماعة، ولم يكن يمتلك أيّ قدرةٍ عسكريّةٍ. أمّا الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة اليوم، فهي تمتلك دولةً مستقلّة، وجيشًا وحرسًا ثوريًّا مقتدرين، وصواريخ بعيدة المدى، ودعمًا شعبيًّا بملايين الأفراد، إلى جانب محور المقاومة؛ ومن ثمّ، فمن البديهيّ أنّ مسؤوليّة الحكومة المقتدرة في مواجهة جريمة الاغتيال تختلف عن مسؤوليّة إمامٍ كان يعيش في أشدّ الظروف الأمنيّة تضييقًا مع محدوديّة الإمكانات والأنصار.
فلو أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) وسائر الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) امتلكوا الإمكانات والدعم الشعبيّ الذي نشهده اليوم، فهل كانوا سيمتنعون عن التحرّك؟ وفضلًا عن ذلك، فإنّ الأئمّة (عليهم السلام) لم يتخلّوا يومًا عن مبدأ الثأر، والادّعاء بأنّ أولئك العظماء "لم يسعوا إلى الثأر" إمّا أن يكون ناتجًا عن جهلٍ بالتاريخ، أو تحريفًا متعمّدًا يهدف إلى تبرير نهج الاستسلام في الوقت الحاضر.
فالإمام السجّاد (عليه السلام)، الذي شهد أحداث كربلاء بنفسه، عمل على إحياء ذكرى عاشوراء وإقامة مراسم العزاء لسيّد الشهداء (عليه السلام)، موجّهًا المجتمع بما يضمن ألّا تُطوى تلك الملحمة في غياهب النسيان.
كما أنّ ذلك الإمام الهمام وسائر الأئمّة (عليهم السلام)، من خلال بكائهم المتواصل، وأدعيتهم الحارقة، ولعنهم قتلة كربلاء، وابتهالهم إلى اللّه تعالى بالانتقام منهم، فضلًا عن تأكيدهم على إقامة مجالس العزاء وإنشاد المراثي، حافظوا على قضيّة الثأر حيّةً، وأوقدوا جذوتها في قلوب الشيعة، كي لا يخمد صوت هذه المظلوميّة أبدًا. وفي الحقيقة، لم يكن كلّ ذلك الإصرار على البكاء والعزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) مجرّد تعبيرٍ عاطفيٍّ، بل كان استراتيجيّةً سياسيّةً عميقةً لإعداد الأجيال اللاحقة لمواجهة الباطل والجريمة. واليوم، فإنّ شعار "يا لثارات الخامنئيّ" يمثّل امتدادًا لذلك النهج، ويعبّر عن الاستمرار في طريق الثأر الذي توفّرت في عصرنا مقوّمات تحقيقه.
لقد نهض المختار الثقفيّ بما كان متاحًا له من إمكاناتٍ محدودةٍ آنذاك، وقد أيّده الإمام السجّاد (عليه السلام). فكيف يجوز لنا اليوم، ونحن نملك قدراتٍ تفوق تلك الإمكانات بعشرات المرّات، أن نتغافل عن الثأر لدم قائدنا الشهيد العزيز؟
والنقطة الجديرة بالانتباه هي أنّ الحفاظ على أرواح الناس وصون البنى التحتيّة ليس هو الدافع الحقيقيّ لمن يعارضون فكرة الانتقام، بل يدفعهم الخوف من الحرب ومن أمريكا إلى البحث عن مبرّراتٍ للاستسلام؛ والاستسلام أمام سياسات الولايات المتّحدة التوسّعيّة يمثّل في حدّ ذاته خيانةً كبرى لمصالح الشعب والبلاد.
إنّ الثأر لا يعني الخروج عن الإدارة العقلانيّة، بل يعني توجيه رسالةٍ مفادها أنّ اغتيال قائد الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة سيترتّب عليه ثمنٌ سياسيّ وأمنيٌّ باهظٌ يدفعه الأعداء.
وإنّ سيرة الأئمّة (عليهم السلام) لم تعلّمنا قطّ الاستسلام في مسار الثأر للمظلوم، بل علّمتنا أن ننفّذ القصاص بشجاعةٍ حين تتوافر الظروف المناسبة والقدرة اللازمة. وتشير الروايات التاريخيّة إلى أنّ الأئمّة (عليهم السلام)، عندما كان يُطلب منهم القيام بثورةٍ، كانوا يبيّنون أنّ عدم توفّر العدد الكافي من الأنصار هو السبب في عدم الإقدام.
واليوم، وقد بلغت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة من القوّة والاقتدار ما جعل أعداءها يرتجفون، وأصبح ملايين الأشخاص داخل إيران وخارجها يرفعون شعار الثأر والانتقام، فإنّ ترك الثأر للقائد والمرجع الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، في مثل هذه الظروف، ليس فقط خلافًا لسيرة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، بل يتعارض أيضًا مع الوجدان ومع العقلانيّة التي يتحلّى بها الشعب الإيرانيّ وأحرار العالم.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرر: أمين فتحيّ
المصدر: وكالة أنباء الحوزة عن مركز الدراسات والردّ على الشبهات التابع للحوزات العلميّة الإيرانيّة





تعليقك